الشريف المرتضى / علي بن أبي الفتح الإربلي / محمد بن دانيال

رسالة الطيف للمنشئ 106

رسائل طيف الخيال في الجد والهزل

وأنشدني محيي الدين رحمه اللّه : أنا في منزلي وقد وهب اللّه * صديقا وقيّنا وعقارا فابسطوا العذر في التّأخّر عنكم * شغل الحلى أهله أن يعارا فهذه أشعار روائع ، ومعان نواصع ، وألفاظ حلوة والمبادئ والمقاطع ، وهذا المختصر لا يحتمل التطويل ، وقد يستغنى عن الكثير بذكر القليل ، فلما أنجزت كل الأمور ، وأعددت أسباب السرور ، أخذت في الانتظار ، وقد تقوضت خيام النهار رواحل ، ولون الشمس إلى الاصفرار ، وخلعت لباس المورد ، وارتدت بالبهار ، أقبلت / [ 46 / أ ] في قميص كأنها غصن بان ، وترنو بعين وسنان ، تمشي قناة ، ثم يذكر قدّها أن التثني للغصون ، فتثني فضائل الأفق بنورها ، وسلبت الليلة لباس ديجورها : فو اللّه ما أدري أأحلام نائم * ألمّت بنا أم كان في التركب يوشع « 1 » وخلفت الشمس عند مغيبها ، وزادت عليها بحسنها وطيبها ، فتلقيتها بدمع أجراه الفرح والجذل ، وأطلقه السرور فسحّ وهمل . فقالت : ما هذا البكاء وقد واصل الحبيب وغاب الرقيب ، وعالج الداء الطبيب ؟ فأجبته لمّا رأيتك زائري * وسمحت لي بعد النّوى بتداني طفح السرور علىّ حتّى أنّني * من عظم ما قد سرّني أبكاني « 2 »

--> ( 1 ) يوشع المذكور هنا هو يوشع صاحب موسى عليه السّلام حين كان معه رحلته المشهور وزعموا أن الشمس وقفت له في قصة مشهورة ، فصار مضربا للمثل وتناوله الشعراء في شعرهم ، ومن ذلك قول جمال الدين يحيي بن عيسى الشهير بابن مطروح إذ يقول في وصف حسناء تسير بالليل : وما أنس المليحة إذ بدت * دجى فأضاء الأفق من كل موضع فحدثت نفسي أنها الشمس أشرقت * وأني قد أوتيت آية يوشع ( 2 ) ما أجمل اللقاء بعد الفراق والاجتماع بعد البين وتكحيل العين بالحبيب الزين ، فإن لهذا اللقاء شجوا يعجز عن التعبير عنها الشعراء ، وتقف الأقلام متحجرة أمام هذه الأحاسيس فلا يناسب على الورق مدادها ، ولا يعرف طعمها إلا من ذاقها وهي تحس فلا تكتب ولا تقال وهي ترى ولا تسمع ، والتعبير عنها يكون بعكس ما هو مألوف كان يبكي المتلاقيان من الفرح انظر إلى قدر هذا الشوق الذي يتحول عن شكله الطبيعي إذ يحل محل الضحك البكاء تعبيرا عن الفرحة والسعادة والغبطة والسرور .